محمد بن جرير الطبري

358

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فجعل ضَوءَ البرق وشدة شُعاع نُوره ، كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشُعاعِ نوره ، مثلا . ثم قال تعالى ذكره : " كلما أضاء لهم " ، يعني أن البرق كلما أضاء لهم ، وجعل البرق لإيمانهم مَثلا . وإنما أراد بذلك : أنهم كلما أضاء لهم الإيمان ، وإضاءتُه لهم : أن يروْا فيه ما يُعجبهم في عاجل دنياهم ، من النُّصرة على الأعداء ، وإصابةِ الغنائم في المغازي ، وكثرة الفتوح ، ومنافعها ، والثراء في الأموال ، والسلامةِ في الأبدان والأهل والأولاد - فذلك إضاءتُه لهم ، لأنهم إنما يُظهرون بألسنتهم ما يُظهرونه من الإقرار ، ابتغاءَ ذلك ، ومدافعةً عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذَراريهم ، وهم كما وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ ) [ سورة الحج : 11 ] . ويعني بقوله " مشوا فيه " ، مشوا في ضوء البرق . وإنما ذلك مَثلٌ لإقرارهم على ما وصفنا . فمعناه : كلما رأوا في الإيمان ما يُعجبهم في عاجل دنياهم على ما وصفنا ، ثبتوا عليه وأقاموا فيه ، كما يمشي السائر في ظُلمة الليل وظُلمة الصَّيِّب الذي وصفه جل ثناؤه ، إذا برقت فيها بارقةٌ أبصرَ طريقه فيها . " وإذا أظلم " ، يعني : ذهب ضوءُ البرق عنهم . ويعني بقوله " عليهم " ، على السائرين في الصيِّب الذي وَصف جل ذكره . وذلك للمنافقين مثَل . ومعنى إظلام ذلك : أنّ المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلام ما يعجبهم في دنياهم - عند ابتلاء الله مؤمني عباده بالضرَّاء ، وتمحيصه إياهم بالشدائد والبلاء ، من إخفاقهم في مَغزاهم ، وإنالة عدوّهم منهم ( 1 ) ، أو إدبارٍ من

--> ( 1 ) في المطبوعة " وإنالة عدوهم " ، وهو خطأ . والإدالة : الغلبة ، وهي من الدولة في الحرب ، وهو أن يهزم الجيش مرة ، ويهزمه الجيش الآخر تارة أخرى . يقال : اللهم أدلنا من عدونا ! أي اللهم اجعل لنا الدولة عليه وانصرنا .